(1)
الغربةُ
أن تَسجِنَ روحَكَ في صدرِ
إله لا يسكنُ فيكْ
الغربةُ
أن تغرقَ في غابتك الذاتيةِ
حينَ تُحسُّ بشيءٍ في ذاتك
يبكيكْ
الغربةُ
أن يغشى قلقٌ الأطفالِ
دروبَكَ كالوهمِ
وهل أجملُ من طفلٍ يقطفُ
نجماً
من شجر الكونِ ويُعطيكْ؟
(2)
الآنَ فقطْ
بعدَ سقوطِ سنيِّ العمرِ
ضحايا
مثلَ حُبَيْبَاتِ الصمتْ
تكتشفُ العالمَ
والألوانَ
وذاك الشوقَ الميتافيزيقيَّ
المبهمَ للحبِّ
وتلكَ الرغبة في التحليقْ
الآنَ فقطْ
تصنعُ أنثاكَ من الطهرِ
الأسطوريِّ
وتسكبُ فيها شهوةَ بنٍّ
محروقْ
ترتجفُ سماءُ الربِّ
وتعلنُ أنك سوفَ تُطرِّزُ
رغبتَكَ الوثنية
فوقَ الأشجارِ
وبينَ رؤى بحرٍ مشنوق
الآن فقطْ
تمسكُ تلكَ الشمسَ وتطلقُها
كالطائرةِ الورقيةِ
في قُبَّةِ كونٍ شفافٍ
ورقيقْ
(3)
أتظلُّ وفيَاً كالعصفورِ
لأنثاكْ
وهي المخلوقةُ من وهمِ رؤاكْ
والمكتوبةُ مثل الشعرِ
على جدرانِ سماكْ؟
(4)
أتظلُّ هناكْ
وتعاني من ألمِ الوجدِ
المفرطِ
في معبدك الذهنيّ؟
أتظلُّ وفيّاً
كالعصفورِ
لدنياكْ؟
فكأنكَ موسى
والبحرُ اللجيُّ أمامكَ
والشعرُ عصاكْ...
وشوارعكَ المرسومةُ
في داخلك المرتجفِ بُكاءً
تغلي
وسفينتكَ الحمراءُ
تذوبْ
والسيفُ الثلجيُّ الراقصُ في
كفكَ
يلمعُ مثلَ شهابٍ
والعزلةُ تدفنُ في مقبرةِ
العتمةِ ذكراك؟
أتضيعُ هناك؟
والحزنُ الملحيُّ الأبيضُ
يقطرُ من عينيكَ
فتعشقه عيناك؟
أتطاردُ غيمَ اللاشيءِ
وتبحثُ عن ظلِّ هواءٍ مرتعشٍ
بين الأفلاك؟
(5)
ستقولُ لرائعة الروحِ
إذا داهمها العصفُ
السينمائيُّ
"أحبكِ"
ثم ستلقى منها لهفةَ قمرٍ
وحشيٍّ
يرقصُ ليراكْ
وستسبحُ في أعماقكَ نُدَفُ
الألماسْ
وستُقرعُ من أجلكَ كلُّ
الأجراسْ
وستهوي في بئرِ المنفى
حتى ينشِلَكَ الوطنُ المتخمُ
بالوسواسْ
وستعرفُ أرضُكَ
كيف وضعتَ طفولتكَ الخضراءَ
على بركانٍ من شهدٍ ورياحينْ
فإذا بأغانيك الرطبةِ
تستلُّ غموضَ الكلماتِ من
الصخرِ
وتحضنُه بجنونْ
وإذا برحابك
تشتاقُ لغفوةِ ربٍّ فيها
وإذا بجذوركَ
تتألقُ عاريةَ القدمينِ
وتولدُ من رحم الزيتونْ
(6)
غارقةٌ أحلامُكَ في
ذاتيَّتِها
أنهكها الإيمان المطلقُ
بخلودٍ يهربُ منها
والعزلةُ شدَّتْ
بحبال الخوفِ من المجهولِ
وثاقَكْ
وتواصَلَ ميلادُكَ من رحمِ
الزيتونْ
(7)
غارقةٌ شطآنُك
في لحظاتِ العودةِ
والتكوين
والآمالُ الشماءُ
تراودُها
كي تخلع أثوابَ الزيف
وتستبدلَها برداءٍ من
طين
غارقةٌ شطآنُك
في التاريخِ
وأنت تواصلُ ميلادَك
من
رحم الزيتون
(8)
وتقول أنثاكَ الجديدة
:
"عرِّف الحب الذي
يرثُ الثنائياتِ
هل هو خمرةٌ معصورةٌ
من لذة الجسدين؟
أم هو سُكَّرُ
الكلماتِ
رومانسية الهمس
الرطيبْ؟
أم هو أن نحلِّقَ
في فضاءاتِ الطفولةِ
نحوَ أرضِ اللازمانِ النرجسيّ؟
أم أنه صوتٌ فضائيٌ
تمازجَ
بالشعورِ الملحمي؟
أهو الرحيل المستحيل
إلى تفاصيلِ الخصوبةِ
والغريزةِ
بين قوسين احتياطيينِ
ينتصبانِ من ذهبٍ
وماءْ؟
أهو انتصاراتُ الرجال
أم احترقاتُ النساء؟
فكأنه لا يقبلُ
التعريفَ
فالتعريفُ يأسر جوهر
الكلماتِ
في الخيباتِ
ثم يبددُ اللغة التي
تحتاجها"
(9)
عبَثٌ وفوضى حلوةٌ
هي هذه الرؤيا
التي
تعطي المدنسَ للمقدسِ
والمقدسَ للمدنسِ
والظلامَ للعنةِ
الأضدادْ
أنثى تعلمُك الحياةَ
وأنت من صنعَ الحياةْ
فخُذِ الهوى من قلبها
العفوي
وانثرهُ على صدر
البسيطة
كالفتاتْ
ماذا تريد المرأة
الصوفية
الشفتين من "زيف
الرجال"؟
(10)
عبَثُ وفوضى حلوة هي
هذه الرؤيا
ستقولُ انثاك
الجديدة:
"كيف لي ألا أبددَ
صورةَ
الرجلِ المثالي
الذي يهبُ النوارسَ
للنساء
ويطلُّ من بين
الشواطئ
والرمال
في أرض أحلامي التي
رُسمتْ بلون أنثوي
وتزينتْ بقصيدة سرية
ليست
تقالْ"
وتقول في الليل
الخرافيِّ
الذي
يمتد حتى تخرج الدنيا
صباحاً
من كهوف الشهوة الأولى
ومن جسد الحنين
الموسمي:
"خذني إلى كل الكواكب
نزهةً أبديةً
واترك هناك النرجسَ الصوفيَّ
والرمانَ
والعنبَ الذي اعتصرته
أيدينا وعتقه المدى
خذني إلى الصمت
المزين
باللهاث وبالندى
أيقونةً
أو غيمةً كالحبِّ
ناضجةً
ومدهشةً
وخذ قمحَ الخصوبة
والصدى
و اخترْ ثيابيَ
لونَها
وحضورَها الطاغي
وملمسَها الفريدْ"
(11)
ماذا تريد المرأة
المائية
الأحلام من ترديد
قصتها عليك؟
كالكوكبِ احترق
السؤالُ على يديك!
(12)
وتقول أنثاك التي
أيقظتَها
من حزنِها اليوميِّ،
فانتهرتك:
" لا تجعلْ كلامَك
يلمس
السرَّ الدفينا
واعبر بثورتك الغدَ
الأبدي
أو بحراً يقينياً
يعلمنا
اليقينا
ويعيدنا نحو السماءِ
ويشتهينا
ونعيشُ في أمواجه
ويعيش
فينا
و نظلُّ فيه كالزوارق
مبحرينا
ونغوص في العنب
الطفولي
العظيمِ
ورعشة الكِبْر المعتق
تعترينا"
(13)
خذ كأسك الرملية
الشهباء،
و اشربْ
نخب فكرتك التي اتسعت
مداركَها
و نخبَ خيالِك الخشبي
نخبَ الليل حين يمرُّ
مختالاً
أمامك في الكلامِ
كفراشةٍ مذبوحةٍ
في وجهها لغة الربيع
وقلبها مثل الرخامِ
(14)
وتقولُ انثاك التي
ازدهرتْ بحبكْ:
"سأظل فاتحةَ السماء
كأنني شجنٌ
تسامى مرةً من سوسن
الناي
الغريبْ
سأظلُّ في سُحُبٍ
معتقةٍ تذوبْ
في كأس ماء دافئ
حتى يعاجلَها الشحوبْ
عبثاً أحاول دائماً
أن
أمسك الزمن الرطيبْ
بيدي هاتين اللتين
تنام
فوقهما الطيوب
"
(15)
ألشمسكَ الخضراءِ
ريحانٌ
خصوصيُّ الهوى؟
فنراه حين يُشقُّ
صدرُك يستجيب
لعدوك الذاتيِّ
أو لصديقك المفتون
أحياناً
برأس المال
سوف تقول انثاك التي
فتنتك:
"إنك ساحرٌ
متمرسٌ في نسج أحلام
الصبايا
أنت سفينتي في اللجة
الهوجاء
أنت كآيةِ الكرسيِّ
تنتشلُ
الضحايا
من سطوة القلق الرهيب
بل أنت أكثر من حبيب"
(16)
وإذ اعترضت على
البداياتِ الحكيمةِ فارتكبْ
بالحب مجزرةً بحق
الوقت
فجراً
واحتجبْ
عن ذكرياتٍ لا تغيبْ
خلف الصنوبر
والتردد
والتمرد
والنحيبْ
(17)
لك أن تقول لهذه
الدنيا:
"استعدي لاختيارتي
الغريبة
لاحتراقي باسم ألوان
الطبيعة كلها
واستقبلي لغتي
الجديدة
كلما لثم الأصيلُ
فراغَنا
و استقبلي لغتي عن
البجعاتِ
والأمم المريضة
بالرجوع
إلى الطريق المستطابْ
أو هيِّئي لي لحظةً
لأصبَّ
فيها الرفض
والرؤيا التي
زاوجتُ فيها بين شعري
والشهابْ
بل واستعدي
كي يرى كنعانيَ الآتي
من الياقوت
موسمَه الاباحيَّ
الذي استلَّ
الجمال من الرضاب
واستاف أغنية الغياب
لا تستعدي
لانتكاساتي التي
ستكون مثل شقائق
النعمان
حمراءً
ليحملها لنا ساعي
البريدِ
وسوف تكبر مثل طفل
يزدهي
باليتم
في كنف الغراب"
إن انفجار الوقت بين
يديك
صار كلعنةٍ خيطية
الشفتين
إذ تتطايرُ الساعاتُ
فوراً
كالحُصَيَّاتِ
الصغيرة
والدقائقُ كالذباب
بالذكرياتِ تحاربُ
السهرَ
الطويل
وتصفع الأطلال
بالنسيان
تمشي في حقول الحبِّ
محفوفاً
بألوان من المدن
الأنيقةِ
واللذيذة كالضباب
أو تمسح الفيروز
بالصَّبار
تمحو قصة الانسان
بالممحاة
تختزل المساءاتِ
السحيقةِ
في إبتسامة طفلة
ممزوجةٍ
بالورد والألق الندي
بالذكريات تزين
الرؤيا
تعود إلى حبيبتك التي
ذابت بإحدى راحتيك
وإلى حبيبتك التي
امتزجت
بدمعك
والتي سجدت لأصنام
الكلام
إذا استحال على يديك
يوماً إلى شِعرٍ
طفوليِّ
شقي
(18)
لك ما تريدْ
لك مسحة الوصل
الحميميِّ
الشهي
لك أن تصيرَ غبارَ
صحراءٍ
يلوثُ متنَه الماضي
ليُنْسَى مثل ايقاع
ترددَ
في ظلال الأغنيات
لك أن تصير قصيدةً
درباً قصيراً في
ثنايا
تلةٍ
دمعاً طفولياً على
وجهٍ
حزين في فضاءٍ حالكٍ
أو فكرةً مجنونةً في
رأس سقراطٍ جديدٍ
سوف يأتي بعد ألاف
السنين
لك أن تصير حقيقةً
منسيةً
نبتتْ كزنبقةٍ على
جبل
الخيال
وبكت بلا سببٍ على
شطِّ الجحيمْ
(19)
هل أنت ذاتك كنت في
ماضيك
أم شخص غريب سوف يأتي
مرةً أخرى
ليبحث في دم الأشجار
عنك؟
هل كنتَ في ماضيك
أم بدأت
حياتك منذ طار الحب
من شفتيك
في كل اتجاه؟
أم أنك استدرجتَ ذاتك
كي تعود إلى فتاتِ
القهر
فاشتد الحنينُ
إلى السماء
المخملية فوق رام
الله
إلى المقهى المعبق
بالدخان... وبالسهرْ؟
وسكبتَ قهوتك القوية
في
فناجين القدرْ
هل أنت من زرع
الحكايا
في الدروب
وأتى لكي يحمي
النوارس
من متاهات المغيب؟
هل أنت من ملأ المكان
بسُكرِ اللاشيء
ثم احتاج للمنفى لكي
يهب الخلود إلى
الكلام
واختار منفاه المؤقتَ
في خضم الماورائياتِ
خلف ستائر
المترادفاتْ؟
هل أنت ذاتك كنت في
ماضيك؟
إن الأصدقاء هناك ما
عادوا يحبون انتحارك
بالردى الثوريِّ
أو بالردة البيضاء
بل ما عاد يعنيهم إذا
استنشقتَ من حرية
التفكير والسحب الفريدة
فغدوت قرباناً لعاصفة
جديدة
ودخلت في وجع
الأعاصير
الشديدة
متمسكاً حتى البكاءِ
بزورق
هشٍّ فتيٍّ
واثقاً بغد سيأتي
دون أن ينهي الفراغُ
الماورائيُّ
الوجود، ويستجيب
هذا الهواء المر للأم
التي جعلتك طوداً
شامخاً
يرث السلام من الحروب
والحب من لغة الشحوب
وتعيد أنثاك العبارة
ذاتها
"العيد أنت، و أنت
أكثر من حبيب"
(20)
قلق المتاهات التي
اقتلعتْ
جذورَك
فانتفضت
كحنطةٍ مغروسةٍ في
البحر
أصبح واقعاً
فافتح فراغاً نائياً
كالكوة الشفافة
الشفتين
في سقف الوجود
المستعارْ
وإذا إستبد بك
الرذاذُ
فضِعْ أناء الليل في
وادٍ على كتف السماء بلا قرار
قلق المتاهات المزين
بالدم الملحيِّ
يدخل قلبك المفتوح
مثل
خزانة الألعاب
يبحث عن طفولتك التي
تركتك تبحث في دروب
العمر
وحدك
في الشقاء وفي العذاب
فمتى ستنهض كالشهاب؟
ومتى ستجتثُ الغياب؟
كاليفورنيا
26 آب 2009