يُطالُع في وجوهِ الناسِ شيئاً
غريباً يشبه السرَّ الدفينا
ويَغرقُ في دمِ الماضي وحيداً
ويَصنعُ من رُفاتِ الفجرِ دينا
ويلهو مثلَ طفلٍ في دروبٍ
مهلهلةٍ، ويستبقُ السنينا
يُراوغُ غيمةً ويَصدُّ أخرى
ويحترفُ الكتابةََ والجنونا
يُقلبُ وجهَ غربته ويهفو
إلى ماضٍ يُبادلهُ الحنينا
تضيقُ به المدائنُ كلَّ يومٍ
تضيقُ به قلوبُ العاشقينا
وحينَ تجفُّ فلَّتُه ينادي
على وطنٍ يُعلمهُ اليقينا
على قيثارةٍ في الغابِ تشدو
وتستسقي أنينَ المتعبينا
على جناتِ عالمه المسجى
صريعاً، فوقَ أشواكٍ وكينا
ينادي في سماءٍ لا تُبالي
ويرجعُ صوتُه رَطْباً حزينا
***
قلقٌ،
والسماءُ الترابيةُ اللونِ
كانتْ تشفُّ عن الغيبِ
والغيبُ أحجيةٌ خصبةُ الملكوتْ
والسماءُ التي أقفرتْ
كان يسقطُ منها الوجودُ صغيراً.. كحبةِ توتْ
وأنا لستُ أحفظُ أسماءَها
سأجرِّبُ ألا أحكَّ الحروفَ البليلةَ بالسُحبِ المهملة
علَّها لا ترشُّ عليَّ شرارَ السكوتْ
ستَضيقُ المدائنُ بي
والقلوبُ التي كنتُ أعبدُها
سوفَ تقفرُ
إنَّ الشوارعَ مسكونةٌ بالخرابِ المميتْ
ربما،
نسيتني النوافذُ لكنني ما نسيتْ
سأعلقُ جثةَ أغنيتي
فوقَ زيتونةٍ للتشاؤمِ
لا بدَّ أن ينقضي الزيتُ من روحها لتموتْ
التناقضُ يحتلني
أتجولُ في وطنٍ باهتٍ
ويْ كأنَّ المكانَ أُعدَّ كمائدةٍ لعشائي الأخير
وقدْ دُعيتْ ذكرياتي له، وأنا ما دُعيتْ
***
أتجولُ في وطنٍ باهتٍ
غربتي في يدٍ
والفراغُ المراوغ في الثانية
ربما،
نسيتني النوافذُ، لكنني ما نسيتْ
سأجرِّبُ ألا أمدَّ يديَّ إلى أيِّ شيءٍ
ستهجرني أغنياتُ الطفولةِ
سوفَ أعيدُ اختراعَ الفراشاتِ
حتى أطيِّرَها في فضاءٍ له شكلُ ما ينسجُ العنكبوتْ
أنا من وطأةِ الحزنِ
ألقتْ بيَ الذكرياتُ العقيمةُ في جوفِ حوتْ
أغبطُ الرايةَ المستحيلةَ
إذ تتزاوجُ والشمسَ
أمسحُ دمعَ الكنائسِ بالنظراتِ
وأجمعُ عشباً تحدى وفاضَ على عتبات البيوتْ
***
هاجسٌ عن ذبولِ القصائدِ
يجتاحني.. ويموتْ
لا بديلَ عن الشعر
لا أتطلَّعُ (مثلَ السؤال المباغتِ)
إلا إلى قلقٍ سوفَ أبقى أسيراً له ما حييتْ
***
القوافي بدتْ مُرةَ الطعمِ
غامضةً
تتزايدُ فيها قيودُ البنفسجِ والأقحوانْ
عشقُ منضدتي للكتابة يخفتُ
فضلتُ خيبةَ أن تتشابَه كلُّ القصائدِ بين يديَّ
على خيبة الموتِ في حيِّزِ اللامكانْ
سالَ في خافقي
صوتُ إيماءةٍ
سُكبتْ من مِدادِ العبثْ
حينَ كان زجاجُ الأثيرِ يشفُّ عن الآخرة
كانت الأرضُ عالقةً فوقَ صدرِ الأثيرِ كقطرةِ غيثْ
والمدائنُ مثليَ تائهة حائرة
كنتُ طفلا على صخرها
ثمَّ مارستُ بعضَ الضياعِ على عتباتِ المنافي
وراقصتُ غانيةً ماكرة
ورجعتُ إلى وطني مثقلاً بالهمومِ
وكانت بساتينه تشبهُ الغيمَ
كانت مشققةَ القدمينِ
ومخنوقةً بالتساؤلِ
والناسُ قد سُلبوا الذاكرة.
خُدروا مثلَ سربِ الفراشاتِ
خدَّرَهم صوتُ أفيونِ كلِّ الشعوبْ
لأرى جثتي بالتفاصيلِ مشنوقةً بينهم كالغريبْ
غيرَ أن الشوارعَ مسكونةٌ بالخرابِ المُميتْ
بقيتْ لعنةُ القهرِ مزهوةً
وأنا ما بقيتْ
وأنا ما بقيتْ
رام الله 20 تموز 2008