قالت لي الدنيا...

موقع الشاعر ناصر ثابت

زمن المزايدات... انتهي



لستُ من الذين يستمتعون بقراءة ما تعرضه صحافتنا من مقالات مليئة بالاتهامات والمزايدات والتخوين والتهجم. لكن أحدَ الأصدقاء أحضر لي البارحة نسخة من جريدة العالم العربي الصادرة في جنوب كاليفورنيا، وأصر (سامحه الله) أن أقرأ ما جادت به قريحة رئيس التحرير "رياض سعيد" من هجوم ساخر وتخويني على شخص رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض. ذهبتُ الى موقع الصحيفة على الشبكة العنكبوتية وتصفحتُ بضعة أعداد الى الوراء، في محاولة للاطلاع بشكل سريع على مقالات هذا الكاتب حتى أفهم وجهة نظره في الأحداث السياسية التي تدور حولنا، وكان ما رأيتُ هو ما توقعتُ، وهو الكثير من الإسفاف والتخوين والاعتداء لفظياً على القيادة الشرعية للشعب الفلسطيني، المتمثلة بالرئيس محمود عباس، وبمنظمة التحرير الفلسطينية، مع الكثير من التهجم على حركة فتح وقياداتها.
الحقيقة أن مصدر استغرابي ليس هو هذا التهجم ولا هذا التخوين الخطير، فلقد اعتدنا على ذلك في صحافتنا بأنواعها، لكنني استغربتُ لأن هذا الكاتب لم يكتشف بعد أن زمن المزايدات قد انتهى الى غير رجعة. وبالتالي كان عليه أن يراجع نفسه، وأن يقف قليلا للتفكير بتروٍ وأناة قبل أن يتابع وأن يزايد على الآخرين.
فرياض سعيد ينسى أثناء انشغاله بالحديث عن شرعية الدكتور سلام فياض، أن ينظر الى نظامه السوري الذي يمتدحه بين الفينة والأخرى، وينسى أن يحدثنا عن شرعيته من عدمها، وكأنه لا يعرف أن بيته من زجاج، و يتوجب عليه الا يلقي بالحجارة على بيوت الآخرين. إننا في زمن خاص جدا لا يستطيع أحد فيه أن يزايد على أحد، إلا إذا اتسم صاحب المزايدة بقلة الحياء الفكري والثقافي والسياسي.
حدثنا أولا عن شرعية نظامك قبل أن تتطرق الى حكومة فياض. كيف تم انتقاء الرئيس السوري؟ وما هي انجازاته السياسية والحضارية؟ وكيف هو وضع الحريات عنده؟ وكيف هي أحوال المقاومة والممانعة في دياره الآمنة؟ وما هي أحوال مفاوضاته مع إسرائيل؟ والكثير من الأسئلة...
نعم، زمن المزايدات انتهى، وحديثنا هذا ضروري لأن الوضع على الساحة العربية اختلف بشكل جذري، بعد أن تم تقسيمُه بخبث إعلامي غريب الى فسطاطٍ للممانعة وآخر للاعتدال، وبعد أن قضينا نصف عقد من الزمن تقريبا ونحن نصحو وننام على هجوم إعلامي غير مسبوق من قبل فريق الممانعة يُشن بكل ضراوة على الفريق الآخر المعتدل (حسب تقسيم الخبثاء)، بهدف تخوينه والسخرية منه والتقليل من إنجازاته، ثم ضرب شرعيته ووجوده بشكل كامل.
لو كان هذا الهجوم الاعلامي الحاد مبنيا على النقد البناء، وعلى احترام الرأي والرأي الآخر، وعلى حق البشر في الاختلاف في وجهات النظر، لكان مقبولا وطبيعيا. لكنه، ولأنه يزخرُ بتخوين الآخر واتهامه في وطنيته وشرعيته، فإنه لم يكن يوما من الأيام مفيداً للسياسة العربية، ولا رافعاً للأمة ولا قادراً على العطاء من أجلها ومن أجل قضاياها، ولم يكن في جو من التنافس الشريف بين الاتجاهات مثلما يحدث في كل دول العالم المتحضر. لهذا كله، فإن أصحاب هذا الهجوم، وهذا التقسيم الخبيث، انتهى بهم الأمر الى الفشل الذريع، والى حالة تدعو الى الشفقة والرثاء.
انتهى زمن المزايدات دون أن يصل أصحابه الى أي نتيجة أو فائدة، تماما مثل السيارة المعطوبة المستهلكة التي خذلت صاحبها في منتصف الطريق.
فمن المزايدات التي أرهقت أسماعنا، أن هنالك من يُمانع ويقاوم، وهنالك من يُفاوض ويفرط ويبيع، فهل يستطيع أصحاب هذه التقسيمات أن يدلونا أين قاوم المقاومون ومتى قاوموا آخر مرة، وكيف مانعوا، وما هي مقومات ممانعتهم وأشكالها؟ في الوقت نفسه هل لهم أن يدلونا أين باع أو فرط المعتدلون (حسب التقسيم الماكر) وكيف؟ ومتى فعلوا ذلك؟
إن كان السؤال محرجا للبعض، وهو برأيي كذلك إلا لمن سقطت أقنعة الحياء عن وجهه من الإعلاميين والحنجوريين، فأنا سأجيب عنه حسبما أعرف وأرى وأشاهد وأتابع من خلال الصحافة العربية والعالمية.
آخر جولات الممانعة هي تلك التصريحات العابرة للقارات التي يطلقُها الرئيس الإيراني بين الفينة والأخرى، مهددا متوعدا إسرائيل بالويل والثبور، وعظائم الأمور إن هي اعتدت أو إن تعرضت إيران لهجوم، وهو ما نتمنى ألا يحدث إشفاقا على الشعب الإيراني الشقيق من ويلات الحرب، وإشفاقا على أحمدي نجاد من افتضاح أمره وأمر تصريحاته. 
على كل حال فإن الوقت المناسب للرد على إسرائيل جاءَ خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، وقد وقفت ايران وقتها متفرجة ولم تحرك ساكناً، مثلها مثل كل الممانعين والمقاومين، وأولهم مقاوموا حماس الأشاوس الذين تركوا الميدان وتفرغوا لتخوين الآخر، وشتمه، واتهامه بتهم قذرة ما أنزل الله بها من سلطان. وهكذا، يتضح بشكل جلي أننا كنا أمام استعراضات مطولة لقوة الحناجر، وأن الوقت عندما جاء لكي يجرب الممانعون أنفسهم، ويمارسوا ممانعتهم على الأرض، لم يقوموا بما يثبت لنا إنهم هم الممانعة وأن الآخرين مجرد معتدلين مفاوضين بائعين للأرض والعرض والدين!
والأمر ينطبق على كل الممانعين، دون الحاجة لذكر التفاصيل.
ومن المزايدات التي يقوم بها أصحاب فسطاط الممانعة، لضرب خصومهم إعلاميا، هي تلك المبنية على ضرب الشرعيات والتقليل من شأن الآخرين، ومن حقهم في الوجود أصلا على الساحة، حتى يستفردوا هم (أقصد الممانعين) بنا ويأخذونا الى غيابة الجب.
وقد بيَّنَا سابقاً كيف يسأل هؤلاء عن شرعية الرئيس محمود عباس وحكومته (حكومة الدكتور سلام فياض) وينسون شرعية الأنظمة التي تدعمهم وتقف خلفهم وتدفع لهم لكي يحافظوا على حالة الاشتباك والانقسام الفلسطيني الداخلي. 
ومنهم من يواصلُ إتحافَنا أن منظمة التحرير الفلسطينية ليست هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني لاسباب كثيرة منها ما هو انتخابي ومنها ما هو متعلق بالموقف السياسي وببيع منظمة التحرير لفلسطين! وبالمناسبة، أتمنى على عشاق هذه المزايدة الأخيرة أن يذكروا لنا متى كانت المنظمة منتخبة من الشعب الفلسطيني أصلا؟ أقصد منذ بداياتها، وهم يعرفون أن طريقة تشكيلها وتشكيل هيئاتها كانت دائما مبنية على تغذية المجلس الوطني بممثلين عن كل الاتحادات والنقابات والفصائل العاملة على الساحة الفلسطينية، لذلك فالحديث عن حاجتها لإعادة بناء يكون مقبولا بلا شك، أما طعن شرعيتها فهو أمر مشبوه لا يخدم إلا إسرائيل.
باختصار ووضوح، فإن الهدف من ضرب الشرعيات هو أخذها من منظمة التحرير وإعطاؤها الى حماس على طبق من ذهب.
فتراهم يستمتعون بتكرار عبارة "محمود عباس المنتهية ولايته"، ولكنهم ينسون في حمية تعصبهم الأعمى الى حركة حماس أن الرئيسَ الفلسطيني ليس هو فقط من انتهت ولايته، إنما المجلس التشريعي نفسه. وعندما انتهت ولاية التشريعي في كانونٍ الثاني المنصرم، لم نسمع منهم أي حديث عن "انتهاء ولاية حركة حماس" بعد انتهاء مفعول الانتخابات التي فازت فيها، لأن التاريخ كشف عورتهم وأظهر لنا أن هجومهم على شرعية الرئيس عباس لم يكن من أجل عيون القانون، ولا حبا منهم بتطبيقه ولا بوجوب احترامه، إنما هو هجوم له غرض محدد وواضح وخبيث. يريدون فقط أن يخدعوا الجماهير وأن يأخذوها الى حظيرتهم المليئة بالحقد والكراهية، والتي فاحت منها روائح التخوين والأذى. 
ولكنني لا أريد هنا أن أكون قاسيا عليهم الى هذا الحد، بل سأطمئنهم الى أن شرعية الرئيس والمجلس التشريعي مستمرة على حد سواء حتى اليوم، شكرا لمنظمة التحرير ومجلسها المركزي الذي اجتمع على عجل وأقر هذا الأمر، بوصف المنظمة مسؤولا مباشرا عن السلطة الوطنية الفلسطينية.
إذن، صحيح أنه لا يوجد شرعية انتخابية لأحد بعد انتهاء ولاية التشريعي والرئيس، ولكن هنالك شرعية مستمدة من الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. ومن المفيد هنا أن نُذكِّرهم، وهم الذين ينسون هذه الأمور بسهولة، أن حركة حماس هي التي منعت اجراء الانتخابات في غزة، حتى تستمتع بفترة حكم أطول، لأنها تعرف أنها لا محالة ستخسر الانتخابات إن خاضتها بعد كل مجازرها الدموية في غزة، التي حصدت أرواح المئات، وبعد كل تلك المجازفات الخرقاء التي كانت كلفتنا ألفاً وخمسمئة شهيد من أبناء قطاع غزة المنكوب.
لا أحد يستطيعُ أن يتهم السلطة الوطنية الفلسطينية بالفساد، وأهل غزة يرون فساد حكومة حماس بأم عينهم، ولا أحدَ يستطيع أن يتهم السلطة الشرعية في الضفة الغربية بممارسة الاعتقالات لأن أهل غزة يرون بأم أعينهم حكومةَ الأمر الواقع في غزة تختطف أبناءهم وتعذبهم وتعاقبهم على المشاركة في منتديات النت أو كتابة المقالات أو توزيع البيانات التي تنتقد إرهاقَ المواطنين بالضرائب وهم محاصرون.
لا يستطيعون أن يزايدوا أن السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة تمنع المقاومة لأنهم يرون حليفتهم في غزة تمنع إطلاق الصواريخ و تعتقل المقاومين وتمنعهم من القيام بالعمليات العسكرية، وتجبرهم على التوقيع على تعهدات بعدم مهاجمة إسرائيل. لا يستطيع أحد أن يزايد وأن يقول إن حركة فتح تغيرت وأنها لم تعد مثلما كانت قبل عدة عقود من الزمن، لأنهم يعرفون إن كل فصائل الشعب الفلسطيني تغيرت ولم تعد مثلما كانت. فمنها ما نسي القتال والنضال، ومنها ما نسي العمليات الاستشهادية، ومنها ما نسي خطف الطائرات، وكلها لها حساباتها وتبريراتها، فلم لا تكون حركة فتح مثلها؟ ألا يحق لها أن يكون لها تكتيكاتها واستراتيجياتها؟ أم أننا لم نتخلَّ بعدُ عن كوننا أمة الأقوال لا الأفعال؟ تلك الأمة التي تنظر الى ادعاءات الحناجر لا الى أفعال الأيادي.
لا يستطيعون أن يزايدوا أن منظمة التحرير عادت الى المفاوضات غير المباشرة قبل تنفيذ شروطها الخاصة بوقف الاستيطان، لأن هنالك من تباهى قبل بضعة أيام أنه خاض أكثر من مئة وعشرين جولةً من المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل. وما خفي كان أعظم. يحق لمنظمة التحرير الفلسطينية أن تمارس دورها السياسي، وأن تدرس الظروف المحيطة بنا وبقضيتنا، وأن تقرر أن تعود أو لا تعود الى المفاوضات، ونحن نعرف أنها ستضع المصلحة العليا للشعب الفلسطيني في قمة أولوياتها، ولن تبيع ذرة تراب من فلسطين، فهي لم تقم بذلك من قبل ولا يمكن أن تقومَ، وهي تؤكد كما فعلت دائما، على حقوق الشعب الفلسطيني كاملة بداية من حقه في دولة تسيطر على أمنها وحدودها ومياهها، وتكون القدس عاصمتها، مرورا بتحرير الأسرى، وانتهاء بحق العودة وتقرير المصير.
الحديث عن انتهاء زمن المزايدات من الممكن أن يطول، لكنني أكتفي بهذا القدر من الأمثلة، عل المزايدين يعودون الى رشدهم، وينتبهوا الى ما هو مفيد لنا جميعا. وبالمناسبة نستطيع أن نطعن بشرعية وجود رياض سعيد نفسه في رئاسة تحرير جريدة كبيرة مثل جريدة العالم العربي، بعد أن نتعثر بأخطائه الإملائية واللغوية الكثيرة التي نمر عليها عندما نتصفح بضعة مقالات له لا تتعدى عدد أصابع اليد الواحدة.


جنوب كاليفورنيا 
11 أيار 2010