ويتوالى مسلسل المجازر التي ترتكبها
حماسُ بحق الشعب الفلسطيني. يتوالى دون أي تردد، ودون أن يرفَّ جفنٌ لهؤلاء
القتلة المجرمين، الذين لا يتورعون عن مهاجمة دور العبادة، مثلما حدث مع
مسجد ابن تيمية ، ولا يترددون في اقتحام البيوت الآمنة وتدميرها على رؤوس
ساكنيها، ، مثلما حدث للمنزل الذي فجرته حماس قرب هذا المسجد ودمرته
بالكامل.
لا شك
أننا نتعامل مع الأمور بازدواجية خطيرة، فيكفي أن نتذكر أن الجيش الصهيوني
لو ارتكب هذه الجريمة النكراء، لكنا أقمنا الدنيا ولم نقعدها، ولكنا
اتهمناه بكل تهم معاداة الإنسانية وحقوق الإنسان، ولطالبنا مجلس الأمن
بالانعقاد الفوري، على الأقل للشجب والاستنكار. ولا أدري ماذا سنقول إن
أقدم الجيش الصهيوني على محاكاة أفعال حماس، التي بزت أفعاله وجرائمه.
وكما هو
دارج في الذهنية العربية، التي تستمتع بتزييف التاريخ، يأخذنا الإعلام
العربي المتواطئ ضد الحقيقة الى قبو مظلم له رائحة كريهة نفاذة، يشبه
الأقبية التي يسكنها المجرمون والمزورون، ويبدأ بتزويير الحقائق وفبركة قصة
مختلفة تماماً عن تلك التي حدثت على أرض الواقع.
إن
ايغال الإعلام في الحديث عن التطرف والوسطية والتخوين والتكفير وما شابه
ذلك، وإسقاط هذه الألفاظ على الرواية الخاصة بالحدث، هو حرف للأنظار عن
السبب الحقيقي الذي من أجله أزهقت هذه الأرواح. ويتوقف الإعلامُ بشكل مذهل
عن الحديث عن أن الحركة المجرمة كانت تريد أن تضم مسجد ابن تيمية الى جوقة
المساجد التي تلهج باسمها ليل نهار، وأن الشيخ السلفي عبداللطيف موسى رفض
هذا الأمر وأصر على التمسك بالمسجد الذي رعاه وقام عليه وعَمَرَه فترة
طويلة من الزمن. وفي النهاية، لم تستطع حماس أن تحتمل هذا الأمر، وفضلت أن
تريق الدماء على أعتابه، على أن تتحاور معهم مرة ومرتين أو حتى مئة مرة من
أجل أن تتجنب سفك المزيد من دماء الشعب المسكين الذي جلبها لتحكمه في غفلة
من الزمن.
والمدهش
فعلا، بعد كل هذا الذي حدث، أن نجد الجوقة الإعلامية التى تضبط رقصها على
ايقاعات حماس، وتتبنى روايتها لكل الأحداث، قد تغاضت عما ارتكبته ليس بحق
الدماء الفلسطينية فحسب، إنما بحق الإعلام والصحفيين، عندما منعت تسريبَ أي
خبر أو صورة أو فيديو أو حتى صورة قلمية من أرض الحدث. فمرت المجزرة
وانتهت، وقتل فيها العشرات، ولم نرَ جثة واحدة ولم نسمع صوت رصاصة واحدة،
ولم نستمع الى تقرير حقيقي واحد من أرض المعركة أو من أحد المستشفيات التي
استقبلت الكثير من القتلى والجرحى. وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على
الفظائع التي ارتكبتها المليشيات الإجرامية بحق الآمنين، وعلى إعجاب حماس
بالنموذج الذي كان يتبعه جيش الاحتلال الاسرائيلي، في طمس الحقائق،
وتحريفها، والتحكم بما سيُبث على وسائل الإعلام.
والسؤال
الذي يفرض نفسه الآن، هل بات الشعب الفلسطيني يستمتع بالدماء، ويطرب لأصوات
الضحايا والأبرياء؟ فهذه المجزرة المروعة تمر دون أن يخرج في فلسطين صوت
واحد يحتج على هذا الإجرام الخطير، ويهتف ضد القتل، و ضد إزهاق الأرواح.
كنت أتمنى أن تخرج مسيرة واحدة تعبر عن الغضب، والرفض لهذا القتل ولهذا
الاستمتاع الحمساوي بالتنكيل بالمعارضين. كنت أتمنى، كما تمنيت أثناء
المجازر التي قامت بها حماس في السابق ضد حركة فتح، وضد آل حلس وآل دغمش
وغيرهم، أن تخرج مسيرة شموع واحدةٌ، أو مسيرة نساء وأطفال، أو أي شكل من
أشكال التحرك السلمي رفضا للجرائم وحقنا للدماء، وحضاً لهؤلاء القتلة لكي
يكفوا أيديهم عن أرواح ضحاياهم مهما كانت الأسباب؟
أين أنت
أيها الشعب الفلسطيني؟ هل أصبحتَ ساديا الى هذا الحد المؤلم؟ كفاك صمتا...
ولتقل لا لهذا السرطان الذي ينخر في جسدك، وأنت تنظر دون أن تحرك ساكناً.
كاليفورنيا
16 آب، 2009