قالت لي الدنيا...

موقع الشاعر ناصر ثابت

الإخوان المسلمون أعداءُ الوحدة الوطنية

سلسلة من المقالات مازالت تحت الإنشاء

(1) سوط بيد الأنظمة
لا يستطيعُ المراقبُ للأوضاع المتردية التي تعيشها فلسطينُ هذه الأيامُ إلا أن يلاحظَ تشابُهَ الأسلوب بين جريمتين حدثتا في نفس اليوم تقريباً، الآولى هي إقدامُ الإحتلالُ الصهيوني على هدمِ منزل عائلة أبي عيشة في القدس المحتلة، والثانية إقدامُ المليشيات الظلامية في غزة على إغلاق بيت عائلة المشهراوي. الأول تقطنه خمسُ عائلات معظمهم من النساء والأطفال، والثاني يقطنه أكثر من ثمانين شخصاً معظمهم من النساء والأطفال
والمقعدين، أيضاً.
الاحتلال عنده مخطط لاقتلاع الفلسطينيين من القدس، كمقدمة أساسية لتهويدها وتغيير طابعها لصالحه، هذه حقيقة علمية غير قابلة للنقاش. لكن، ما هي مصلحة الانقلابيين في تقليد أساليب الاحتلال الصهيوني وتنفيذ عقوبات جماعية ضد الأبرياء؟
والمثير للاشمئزاز أن صور إغلاق البيت انتشرت على النت، وفيها تظهر الأبواب المغلقة قسراً وقد "زُينت" بعبارة خطيرة هي "مُغلق بقرار من كتائب القسام!!". 
كتائب القسام التي قال عنها الإعلام الأعاجيب، أصبح همها اليوم أن تغلق بيوت الفلسطينيين كما تفعل قوات الاحتلال، وأن تسحب سلاح المقاومة مثلما فعلتْ بكتائب أبي الريش وغيرها. ولكن لمَ العجب وقد هدمت مليشيات حماس بمسمياتها المختلفة الكثير من البيوت والمقرات الحكومية في غزة منذ الانقلاب الدموي؟
نعم، أنا شخصياً لستُ متعجباً من هذا الأمر، ولكنني أتعجبُ من الذين ينتظرون منهم أن يكونوا غير ذلك. وهذا يقودنا الى إطلاق التساؤل التالي: هل هيَّأتْ  حماسُ عناصرها (تربويا وفكرياً) لقبول الآخر؟ فمن المعروف أن حركة الإخوان المسلمين أجلت مشاركتها في مقاومة الاحتلال سنوات طويلة بحجة أنها تقومُ بإعداد أعضائها وتربيتهم على الإسلام الحنيف حتى يتسنى لهم المشاركة في أعمال المقاومة عندما تتخذَ قيادتُهم القرارَ بحلول ساعة الصفر.
أية تربية هذه، وأي إعداد إن كانت لا تهيئُهم لقبول فكرة أن في هذه المجتمع أساليبَ واجتهاداتٍ مختلفة عن أساليب الإخوان واجتهاداتهم وأن أهم وسيلة تتبعها الفصائلُ الفلسطينية المختلفة في صراعها مع العدو هي إشهارُ سلاح الوحدة الوطنية في وجهه؟
تُجمعُ الكثيرُ من المراجع التاريخية أن الإخوان المسلمين تم استخدامهم من قبل الأنظمة الحاكمة كعامل انشقاق، وكمحفز للفتنة عدة مراتٍ، سأذكر ثلاثاً منها على سبيل الأمثلة.
في الآولى، استخدمهم الملك الراحل الحسين بن طلال ملك الأردن لمواجهة الوطنيين والناصريين والقوميين عام 1957 إبان حكومة سليمان النابلسي، فخرجت جموعهم وقتها لتهاجم هؤلاء الخصوم بالحديد والنار ولتضربهم بسياط النظام. وقد ساعد الإخوان المسلمون في قمع المظاهرات التي خرجت في أريحا دعماً لحكومة النابلسي الشرعية.
وما دمنا في الأردن، فلا يفوتنا أن نُذكِّرَ هنا أن الإخوان المسلمين وصل عشقهم لهذا النظام حدَّ تأييد مجازر أيلول الأسود التي ارتكبها الجيشُ الأردني ضد الفدائيين الفلسطينيين عام 1970!
هذه الآولى، فأما الثانية فكانت في مصر في فترة ما بعد عام 1971 عندما استخدمهم الرئيس المصري أنور السادات لمواجهة خصومه من الناصريين واليساريين الرافضين وقتها لتوجهاته السياسية بالسلام مع إسرائيل. فمن المعروف أن فترة حكمه كانت من الفترات الذهبية في تاريخ الإخوان المسلمين بعد أن وفر لهم كل الإمكانيات المتاحة حتى يكبروا ويترعرعوا ويلجموا معارضيه، وهكذا كان.

أما الثالثة فكانت في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات عندما دعمتهم إسرائيل (مادياً ومعنوياً) حتى يقفوا في وجه منظمة التحرير الفلسطينية، وينافسوها على أمل إضعافها والنيل من مكانتها في المجتمع الفلسطيني، وهذه قصة طويلة تحدثنا عنها في السابق، وسنتحدث عن تفاصيلها في مقالاتٍ لاحقة، إن شاء الله.
باختصار، أدركت هذه الأنظمة أن تربية اعضاء وكوادر وقيادات الإخوان المسلمين تكون مبنية عادة على إقصاء الخصوم السياسيين والاصطدام معهم، حتى لو كان هذا بعيداً عن الحكمة والتفكير السليم، فدعمتْهم حتى يكونوا أدواتٍ طيعة في أيديها تستخدمهم حين تشاء.
هذه أمثلة قليلة من تاريخ طويل مليء بها، تؤكد أن ما قامت وتقوم به حماس من تشتيت للصف الفلسطيني، وضرب وحدته الوطنية بشدة، هو من صميم فكرها الذي بُنيَ على فكرة إقصاء الآخر الذي لا يتوافق معها في المنهج أوالأسلوب أوالأيديولوجيا، والحلول مكانه عوضاً عن دعمه والتكامل معه.
والسؤال، بعد أن وضعنا هذه الأمثلة التاريخية الواضحة والصريحة التي أصبحت كالحقائق لا يستطيعون منها فكاكاً، هل نتردد لحظة واحدة في قبول فكرة أن حركة حماس تُستخدم حالياً من قبل سوريا وإيران لتنفيذ مخططات غير بريئة؟

(2) الأب الروحي للإخوان التكفيريين
سيد قطب، المفكر الإخواني الشهير، صاحب كتاب "معالم في الطريق"، يُعتبر النبع الفكري الأهم الذي يستقي منه أبناء الحركات الإسلامية عامة وحركة الإخوان المسلمين خاصة تلك الفلسفة الخطيرة القائمة على الصراع العنيف مع المجتمعات التي ينتمون اليها.
فهو يرى أن المسلم الحق يحارب حتى مجتمعه إن لم يكن يدين بالإسلام، أو بمعنى أدق، الإسلام المفصل على مقاسه، فيقول: " منذ ذلك اليوم لم يعد وطن المسلم هو الأرض، إنما عاد وطنه هو " دار الإسلام " الدار التي تسيطر عليها عقيدته وتحكم فيها شريعة الله وحدها، الدار التي يأوي إليها ويدافع عنها، ويستشهد لحمايتها ومد رقعتها.. وهي " دار الإسلام " لكل من يدين بالإسلام عقيدة، ويرتضي شريعته شريعة، وكذلك لكل من يرتضي شريعة الإسلام نظاماً - ولو لم يكن مسلماً - كأصحاب الديانات الكتابية الذين يعيشون في " دار الإسلام " . والأرض التي لا يهيمن فيها الإسلام ولا تحكم فيها شريعته هي " دار الحرب " بالقياس إلى المسلم، وإلى الذمي المعاهد كذلك . يحاربها المسلم ولو كان فيها مولده، وفيها قرابته من النسب وصهره، وفيها أمواله ومنافعه .. وكذلك حارب محمد صلى الله عليه وسلم مكة وهي مسقط رأسه، وفيها عشيرته وأهله، وفيها داره ودور صحابته وأموالهم التي تركوها، فلم تصبح دار إسلام له ولأمته إلا حين دانت للإسلام وطبقت فيها شريعته."
وحتى يقطع صاحب "معالم في الطريق" الطريقَ على من يريدون ان يقولوا له: "يا رجل إننا مسلمون مثلك تماماً، فلماذا ترفع سيفك في وجوهنا"، فإنه يحاربهم بقوله في مكان آخر من الكتاب:" إنه لا إسلام في أرض لا يحكمها الإسلام ولا تقوم فيها شريعته، ولا دار إسلام إلا التي يهيمن عليها الإسلام بمنهجه وقانونه، وليس وراء الإيمان إلا الكفر، وليس دون الإسلام إلا الجاهلية. . وليس بعد الحق إلا الضلال".
وهكذا تَنغمسُ المجتمعات في الجاهلية التي حددها لها سيد قطب رغم أنفها، وتصبح دماءُ أبنائها حِلاً له ولأتباعه، وهكذا نجد أن ما قاله المدعو نزار ريان، تلميذ سيد قطب الوفي: "إن ما حدث في غزة هو مواجهة بين الإسلام والردة"، هو ليس إلا غيضاً من فيض، ولا يشكل إلا تجسيداً واقعياً لما تعلمه ريان في مدرسة قطب نظرياً.
لاحظ عزيزي القارئ التشابه الخطير بين فكر هذا وممارسة ذاك، بالنظر إلى الفقرة التالية من كتاب سيد قطب: "والمسألة في حقيقتها هي مسألة كفر وإيمان، مسألة شرك وتوحيد، مسألة جاهلية وإسلام. وهذا ما ينبغي أن يكون واضحاً .. إن الناس ليسوا مسلمين -كما يدّعون- وهم يحيون حياة الجاهلية. وإذا كان فيهم من يحب أن
يخدع نفسه أو يخدع الآخرين، فيعتقد أن الإسلام يمكن أن يستقيم مع هذه الجاهلية فله ذلك. ولكن انخداعه أو خداعه لا يغير من حقيقة الواقع شيئاً .. ليس هذا إسلاماً، وليس هؤلاء مسلمين. والدعوة اليوم إنما تقوم لترد هؤلاء الجاهلين إلى الإسلام، ولتجعل منهم مسلمين من جديد."
وحتى لا يظلَّ عندنا مجالٌ للشك في أن الزعيم الروحي للفكر التكفيري في القرن العشرين يريد أن يحارب الجميع بحد السيف غير آبه بالنتائج التي من الممكن أن تقودنا إليها هذه الأفكار المريضة، وأنه يريد أن يكنس الآخرين ويتخلص منهم تحت شعار أنه يريد الخير للبشرية، فإنه يقول في مكان آخر من الكتاب: " وظيفة الإسلام إذن هي إقصاء الجاهلية من قيادة البشرية، وتولى هذه القيادة على منهجه الخاص، المستقل الملامح، الأًصيل الخصائص.. يريد بهذه القيادة الرشيدة الخير للبشرية واليسر. الخير الذي ينشأ من رد البشرية إلى خالقها، واليسر الذي ينشأ من التنسيق بين حركة البشرية، وتولى هذه القيادة منهجه الخاص، المستقل، ترتفع إلى المستوى الكريم الذي أراده الله لها، وتخلص من حكم الهوى."
ونعيد التذكير أن الجاهلية تنطبق على مجتمعاتنا بنظره، وأن الإسلام الحقيقي هو ما تدخره حركة الإخوان في جعبتها، والذي رأيناه على أرض الواقع غير مرة، كان آخرها في غزة. ولعل الفقرة السابقة هي التي جعلت من تربوا في مدرسة الإخوان يطلقون على حكومة إسماعيل هنية المقالة اسم "حكومتنا الرشيدة". ثم يأتي في الشارع الفلسطيني من يأمل من هؤلاء أن يلتزموا بالوحدة الوطنية!
إن التزام حركة حماس الخجول والطفيف بالوحدة الوطنية في فترات متقطعة ومتباعدة من سنوات الانتفاضة الآولى أو الثانية، لم يكن إلا اقراراً منهم بضعفهم وحاجتهم إلى خداع الجماهير التي تتعرض لجرائم الاحتلال وتجد أن الوحدة الوطنية شعارٌ مهم ومفيد يحافظُ على هذه الجماهير ويضمن صمودها واستمرار نضالها.
وعندما تتبدل الموازين، وتنجحُ الأبواق الإعلامية الخاصة بالإخوان في صبغ الآخر بكل الصفات السيئة الممكنة، فإنها تجد نفسها قادرة على التحلل من التزاماتها بالوحدة الوطنية حالاً.
وبالإشارة إلى تكرار لفظة "الجاهلية" في الفقرات التي أوردناها عن سيد قطب، وهي بالمناسبة تتكرر عشرات المرات في كتابه المذكور، فلا أدري هل يوجد جاهلية أكثر مما فعلته حماس في غزة، من قتل واختطاف وتعذيب وهدم للبيوت وسحل للجثث وارتكاب للمجازر وترويع للآمنين، وملاحقة أبناء الجهاد الإسلامي في المساجد
وقتلهم على أبوابها، هل هنالك ما هو أكثر جاهلية من الكذب الذي يمارسه تلامذة سيد قطب في غزة؟
يكفي حماسُ فخراً أنها كانت أكبر مثال على سقوط فكره المأفون، إن كان هنالك من لا يزال يعتقدُ أنه منهجٌ واجب الاتباع. ونحن لسنا هنا بصدد تحليل فكر وكتابات سيد قطب، لكننا نعتقد أن جماعةً تربت على منهجه، وتحت سطوة منطقه الديني الخطير، لا يمكنها أن تكون مؤهلة لوحدة وطنية مهمة للحفاظ على تضحيات الشعب
الفلسطيني.
إنه يريد من الإخوان المسلمين أن يبدأوا بعدد قليلٍ جداً من الأنفار، وأن يعزلوا أنفسهم عن المجتمع، وأن يربوا أنفسهم تربية جيدة ويعدوها إعداداً متكاملاً (مستلهمين أفكاره الغريبة) حتى تصبح قادرة على الانقضاض على المجتمع الذي تكونوا فيه، لمحاربته بالحديد والنار إن لم يعلن لهم الولاء خضوعاً واستسلاماً، فيقول: "وفي الطريق تكون المعركة قد قامت بين المجتمع الوليد الذي انفصل بعقيدته وتصوره، وانفصل بقيمه واعتباراته، وانفصل بوجوده وكونيته، عن المجتمع الجاهلي - الذي أخذ منه أفراده - وتكون الحركة من نقطة الانطلاق إلى
نقطة الوجود البارز المستقل قد ميزت كل فرد من أفراد هذا المجتمع، وأعطته وزنه ومكانه في هذا المجتمع - حسب الميزان والاعتبار الإسلامي - ويكون وزنه هذا متعرفاً له به من المجمتع دون أن يزكي نفسه أو يعلن عنه بل إن عقيدته وقيمه السائدة في نفسه وفي مجتمعه لتضغط عليه يومئذ ليوراي نفسه عن الأنظار المتطلعة
إليه في البيئة !". وما أكثر هذه المعارك، التي سنأتي على ذكر بعضها في الوقت المناسب.
وبعد، فإنني لا أريد أن أطيل على القارئ الكريم، وأن أزعجه بهذه الأفكار الثقيلة، الغريبة على الفطرة البشرية السليمة، التي لا تقبلها إلا النفوس التي تربت على التقليد والنقل، دون إعمالٍ للتحليل والنقد والبحث والتمحيص. وهي كذلك لا تستطيع أن تحيا إلا بعد أن تجد مَنْ يتطوع لكي يضرب النسيج الاجتماعي والوطني بفكره وسيفه المسمومين. لذلك فسنكتفي بما أوردناه من فكر سيد قطب وتأثيره على تربية الإخوان المسلمين، ما جعلهم أعدى أعداء الوحدة الوطنية إلى يوم الدين.


(3) من المجمع الإسلامي إلى ما قبل الانتفاضة
كما قلنا سابقاً، أجَّلَ الإخوان المسلمون صراعهم مع العدو الصهيوني، حتى يُعطوا لأنفسهم متسعاً من الوقت لتربية أتباعهم على الإسلام لكي يكونوا مستعدين للدخول في هذا الصراع في الوقت المناسب. ولا يغرنَّك عزيزي القارئ استخدام الألفاظ الرنانة هنا، فالتربية التي أرادوها كانت على منهاج سيد قطب، وتأجيل الصراع كان مع العدو الصهيوني فقط ولم يكن مع الوطنيين الذين كانوا وقتها منشغلين في تقديم التضحيات العظيمة لوطنهم فلسطين،  كما سنرى بعد قليل.
تأسس المجمع الإسلامي في غزة على يد الشيخ أحمد ياسين ورفاقه عام 1973، وكان يُشكل واجهة للعمل الإجتماعي للإخوان المسلمين، الذين استغلوا الأوضاع المعيشية الصعبة للسكان في غزة حتى يشتروا ولاءات الناس بما كانوا يقدمونه من خدمات صحية وتعليمية ورياضية مختلفة. كما أن نشاطهم الدعوي والتربوي، الذي
ارتكز على فكر سيد قطب وغيره من أعداء المجتمعات، كان هو الأساس الذي تقوم عليه برامج التربية وإعداد الأتباع، خاصة الشبان منهم. ولم يتعرض الإخوان المسلمون لأية ملاحقات من قبل العدو الصهيوني، بل أن مجمعهم مُنح الصفة القانونية منذ البداية، وتلقى الكثير من الدعم المباشر وغير المباشر، كما قال الجنرال يتسحاق سيجيف حاكم غزة العسكري في ذلك الحين، الذي أكد أن إسرائيل كانت توصل الأموال للإسلاميين في غزة، وأنها كانت تغض الطرف عن نشاطاتهم وتسمح لهم بتوسيع مؤسساتهم، حتى يصبح بمقدورهم أن ينافسوا منظمة التحرير الفلسطينية، وينالوا من مكانتها، والتي كانت إسرائيل تغلق أي مؤسسة أو عيادة أو مدرسة تكتشف أنها على علاقة بها.
وليس هذا فحسب، لكن إسرائيل كانت أيضا تسمح بنشر أدبياتهم ودورياتهم ومجلاتهم حتى وإن احتوت ما هو معادٍ لها.
في ورقته البحثية التي قدمها الدكتور "إيلي ريخيس" في مؤتمر "الثورة الايرانية والعالم الاسلامي"، الذي انعقد عام 1988 في جامعة تل ابيب، يتحدث الدكتور إيلي "أن أهم أولويات المجمع اليوم هو اصلاح المجتمع الفلسطيني من الداخل ومحاربة الاتجاه العلماني كمقدمة للمواجهة مع اسرائيل"، والورقة كانت بعنوان "التأثير
الإيراني على الجهاد الإسلامي في فلسطين". طبعاً، لا يخفى على أحد أن الاتجاه العلماني كما يحلو لحماس أن تسميه كان وقتها مشغولاً بتقديم التضحيات والشهداء على طريق تحرير فلسطين. الحقيقة أن هذه الكلمات تدعمها بل وتؤكدها الكثير من المواقف والحوارات. فمثلاً، يورد الكاتب نعيم الأشهب في كتابه "حماس من الرفض
الى السلطة" أن مندوب الحزب الشيوعي عندما طلب من الشيخ أحمد ياسين أن ينضم إلى بقية القوى في مواجهة المحتل، رد عليه الشيخ فوراً "بالطبع لا". وهذا الجواب السلبي الحاسم يتضمن، بالإضافة الى عدم الرغبة في خوض مواجهات مع المحتل الآن، رفضا للعمل مع القوى الوطنية الآخرى.
الاختلاف مع المجتمع لم يكن سلميا، خاصة عندما كانت تتوفر عندهم الإمكانيات، والعناصر. فبالرجوع الى عامي 1981 و 1982 مثلا، فقد هاجم الإخوان الهلال الأحمر أكثر من ثلاث مرات، حيثُ دمروه وأحرقوه، وأحرقوا مكتبته، فقط لأنهم لم ينجحوا في انتخاباته الداخلية.
كثيرة هي الأحداث التي تظهر شراسة تعامل الإخوان المسلمين مع أبناء الفصائل الفلسطينية الأخرى، في الفترة التي سبقت الانتفاضة الكبرى. هذه الحوادث الدموية التي قام فيها أعضاء المجمع، بمهاجمة خصومهم بشكل وحشي وممنهج عدة مرات، تُظهر حقدهم على المجتمع الفلسطيني آنذاك وعلى قواه الفاعلة ضد المحتل
الصهيوني.
من الأمثلة التي نوردها هنا قيام أعضاء الكتلة الإسلامية في جامعة النجاح الوطنية، بإلقاء محمد حسن صوالحة المدرس في جامعة النجاح الوطنية من الطابق الثالث عام 1981 لأنه مؤيد للاتجاه الوطني.
ومنها، اقتحام عناصر المجمع الإسلامي لجامعة بيرزيت (بعد أن تم نقلهم بالحافلات من غزة)، في نفس اليوم الذي اعتدوا فيه على طلبة من الجامعة  لإسلامية بغزة يوم 1983، والطريف ان الجيش الاسرائيلي انسحب وقتها وترك الساحة لهم يمارسون فيها ما يشاؤون من الجرائم. وكانت الحصيلة اكثر من 200 جريح.
وفي حادثة أخرى أرسلت الجامعة الإسلامية بلطجيتها إلى جامعة النجاح للمساهمة في تقويض الوحدة الوطنية ما أمكن.
أما في عام عام 1984 فقد قاموا بتفريق مسيرة خرجت من مسجد جمال عبدالناصر لنصرة الأسرى (الذين لم يكن منهم الكثير من الإخوان المسلمين بالطبع) بحجة تفريق "انصار اليسار الكفرة" كما خربوا احتفال الحزب الشيوعي في نابلس، واختطفوا بعض انصار جبهة العمل الطلابية.
وكانت الكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت قد هاجمت أهالي بلدة بيرزيت (بأغلبيتهم المسيحية)، مدعية أنهم شاركوا في مهاجمة "الشباب الإسلامي" بدافع من "حقدهم الصليبي الكتائبي" (كذا!). وكان هذا الشباب "الإسلامي" قد قدم من كل حدب وصوب وخاصة من الجامعة الإسلامية كما أشرنا سابقا للهجوم على طلبة جامعة بيرزيت.
ولا ننسى مهاجمتهم للقيادات الوطنية أمثال حيدر عبدالشافي الذي هاجموا منزله وحاولوا حرقه، وأسعد الصفطاوي الذي ضربوه بالسيف على وجهه، كما هاجموا المناضل رباح مهنا بالعصي والجنازير.

وتشير الوقائع أن عناصر الإخوان المسلمين كان عندهم حقد خاص ضد حركة فتح بالذات لأنهم يعتقدون أنها خرجت من رحم الإخوان، ولأن شعبيتها طاغية وتضحياتها غير مسبوقة، وإنجازاتها واضحة للعيان، إلا للذين أصموا آذانهم عن الحقيقة.
لذلك فإن المراجع التاريخية تشير إلى أنهم كانوا يوجهون هجومهم المعنوي والمادي بشكل أساسي لحركة فتح لأنهم يعرفون أن شعبية الحركة ستظل دائما عقبة في طريق زيادة شعبية حركة الإخوان المسلمين.
أما المساجد، فقد قام الإخوان بالسيطرة عليها كلها تقريبا في قطاع غزة، ويروي الصحفي مهيب النواتي في كتابه "حماس من الداخل" أن التنافس على المساجد أدى بهم إلى أن يقوموا بإقصاء كل من لا يمت لهم بصلة، مثلما فعلوا ضد أئمة أحد المساجد من الكهول الذي قاموا بإقصائه ووضع أحد عناصرهم مكانه.
وتذكر المراجع أنهم قاموا بإقصاء رئيس الجامعة الإسلامية د. رياض الآغا، وعينوا مكانه الدكتور محمد صقر أحد أقطاب الإخوان، وذلك لأن د. رياض الآغا بالرغم من كونه مقرباً منهم، الا أنه لم يلتزم بتعاليمهم وأوامرهم.
خلافات كبيرة حدثت، وكان الإخوان هم المعتدون في معظمها، وهاجموا أبناء التيارات الأخرى بالقوة وبالبيانات القاسية التي تتهمهم فيها بالكفر والإلحاد والعلمانية، متناسين أن الأساس في فكرة التعددية السياسية إن رغبوا في ان يكونوا جزءاً منها، أن يعترف أبناء الفصيل السياسي أنهم ليسوا وحدهم في الميدان، وأن هنالك من هو مخالف لهم في الفكر والأسلوب والمنهج، وأنهم يجب أن يحترموا هذا التعدد وأن يَعتبروه إثراءً للساحة السياسية والكفاحية، مادامت البوصلة الجمعية تتجه إلى كنس الاحتلال الصهيوني.
لا عجب، فالإخوان تاريخيا يرفضون فكرة التعدد الحزبي منذ البدايات. ومثال على ذلك أن حسن البنا هاجم فكرة الأحزاب ودعا إلى حلها وإبقاء حزب واحد هو حزب الإخوان المسلمين. ففي كتاب "الفكر السياسي عند حسن البنا" يورد مؤلفه يوسف القرضاوي أن من عناصر الفكر السياسي الأساسية عند الإمام البنا: تنديده بتعدد الأحزاب المصرية واختلافها، وتهافتها على كرسي الحكم واستماتتها في الوصول إليه ولو بالتقرب إلى المستعمر الذي يحتل البلاد ويُذل العباد. ويرى القرضاوي أن عدم إقرار البنا بالحزبية يرجع إلى سبب واضح عنده وهو أنها تؤدي إلى تفرقة الأمة -كما هو الواقع المشاهد- وهو يدعو إلى الاتحاد والائتلاف، كما تدل على ذلك آيات القرآن وأحاديث الرسول الكريم. وبخاصة أن الأحزاب في مصر قد بلغ بها الاختلاف والتدابر والتخاصم حدا أمسى ينذر بخطر على الوطن، ولا يستفيد منه إلا المستعمر المتربص".
ولكن البنا وقتها ربما لم يكن يعرف أنه كان من الأجدر به أن يطالب بمنع الإخوان المسلمين قبل غيرهم، لأن التاريخ أثبت أنهم أكثر الجماعات تطلعا للوصول الى الحكم، مهما كانت الوسائل. والذي لا يعترف بهذا، فهو من المؤكد لا ينظر إلى التاريخ إلا بعين واحدة، مصابة بالرمد والقصور.
وفي كتيب الحقيقة الغائبة، الصادر عن الإخوان المسلمين في الأرض المحتلة، يقول الإخوان القاعدون عن النضال "لا يجوز احتكار العمل الفلسطيني من قبل التيارات التي اثبتت فشلها خلال عشرين عاما في ساحة العمل الفلسطيني" حسب ما أورده الدكتور زياد أبوعمر في كتابه "الحركات الإسلامية في الضفة وغزة"
ص 55. فهم يعتبرون منظمة التحرير أنها "لا تخدم الله"، ولا نعرف كيف عرفوا أنهم هم يخدمونه ولا يعصون أوامره.
ولا يتورع الإخوان من استخدام الدين في حربهم مع الآخرين، وخاصة منظمة التحرير، ويورد الدكتور زياد أبوعمرو في كتابه المذكور صفحة 57 ما كتب على أحد الملصقات الدعائية الانتخابية للكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت عام 1987، وهو بالحرف:"لا يجوز بأي حال من الأحوال اعطاء الولاء لمن لا يتبنون الإسلام فكرا وممارسة"، ويأخذ الإخوان على عرفات حينها موقفه الودي من المنظومة الاشتراكية والقوى الديموقراطية في إسرائيل، ولكن هذا لا يكون إلا ضد خصومهم، وعند حاجتهم تقويض الوحدة الوطنية لأنهم لا ينظرون إلى أنفسهم، ولا إلى أفعالهم، ولا إلى فكرهم العقيم الذي لم يمنع خالد مشعل مؤخراً من زيارة روسيا والتودد لها، ولم
يمنع الشيخ محمد أبوطير من الاجتماع مع أوري أفنيري، والتقاط الصور التذكارية معه، ولم يمنع الزهار من الاجتماع مع رابين وبيريس وأبا إيبان وغيرهم.
إذن، هم كانوا يستخدمون هذه الكلمات ضد ياسر عرفات فقط من أجل أغراضهم الحزبية الضيقة، وليس من أجل الانتقاد البناء الذي يوجهه الساسة بعضهم إلى بعض من اجل القضية التي يؤمنون بها.
وقد اتسم موقف الإخوان بالعداء ليس فقط للاتجاهات الوطنية والعلمانية واليسارية، إنما تعداها إلى الجهاد الإسلامي، الذي سنفرد له مقالة خاصة، ضمن هذه المجموعة من المقالات.

(4) خطة لتقويض السلطة

ولمن يساورهم الشك لحظة واحدة أن الإخوان المسلمين ما خلقوا للوحدة الوطنية إنما لتقويضها وتدميرها، نتحدث في هذه العجالة عن خطة خطيرة جداً وجدتها أجهزة الأمن الفلسطينية بحوزة أحد قادة حماس، عنوانها: "برنامجٌ مقترح للمواجهات السياسية والجماهيرية في الداخل في مواجهة اتفاق غزة أريحا" أوردها الصحفي المعروف مهيب النواتي في كتابه "حماس من الداخل" الصادر عام 2002 عن دار الشروق للنشر والتوزيع.

بداية، لا يحق لحماس أن تقوضَ اتفاق غزة أريحا لأنه ببساطة الاتفاق الذي أتى بها الى الحكم. فهو بالنسبة لها غاية المنى وهي المتعطشة للسلطة، والساعية الى أخذها بالقوة إن لم يكن بالانتخاب كما قال محمود الزهار إبان مشاركة حماس في انتخابات عام 2006.
اتفاق غزة أريحا، أو اتفاق اوسلو بشكل أكثر شمولاً، هو الاتفاق الذي بموجبه يتنقل اسماعيل هنية الآن في موكب فخم قوامه العشرات من السيارات والمرافقين. هو ذاته الاتفاق الذي يجعلك تنظر إلى المجلس التشريعي فتراه يكتسي حلة طالبانية بوجود أصحاب اللحى القذرة فيه، ما يرضي غرور الإسلاميين في بقاع الأرض قاطبة.
وهو نفس الاتفاق الذي بموجبه مارست حركة حماس، الابنة الشرعية للإخوان المسلمين، أبشع الجرائم وأفظع الممارسات، من قتل وتعذيب وتشريد وإقصاء للآخر حتى لو كان من الفائزين في نفس الانتخابات التي فازت فيها.
ما يهمنا الآن من هذا البرنامج الذي يحمل تاريخ التاسع من تشرين أول 1993، هو ما يتضمنه من عشق كبير للفرقة، وبغض غير قليل لكل صنوف الوحدة الوطنية لمواجهة الاحتلال. وحتى لو كان هذا البرنامج لا يتعدى كونَه اقتراحاً أو رسالة من حماس الخارج إلى حماس الداخل، فإنه يدل على الروح الإقصائية التدميرية التي تتمتع بها العقلية الإخوانية. فهو باختصار يدل على أن حركة حماس حاولت تقويض السلطة بالأكاذيب والافتراءات، وعندما لم يتسنَّ لها ذلك دخلت أروقتها، وراقت لها كراسيها، واستطاب لها ذلك الشعور اللذيذ الذي يرافق المنصب الرسمي والبدلة الرسمية، بدليل أن في الخطة بنداً يقتضي "استغلال الإيجابيات الموجودة في
الاتفاق في تعزيز وجود الحركة"، وهذا بالنقل الحرفي.
تحتوي الخطة على كم كبير من الدعوة إلى إظهار تبعية سلطة الحكم الذاتي، كما يروق لهم أن يسموها، لسلطات الاحتلال. فأول اهداف الخطة هو "عزل سلطة الحكم الذاتي شعبياً، وإظهار تبعيتها لسلطات الاحتلال"، والطريف أنها تريد أن تنفذ هذه الخطة "بالتنسيق مع الآخرين"، أو برأيي مع سوريا وإيران ومن دار في فلكهما
من المنظمات والهيئات والدول.

بعد ذلك تقوم الحركة "بتعزيز موقف الحركة السياسي والجماهيري، تمهيداً لقيادة الشارع الفلسطيني بعد فشل الاتفاق"، أو إفشاله من قبلهم أو من قبل العدو الصهيوني الذي يعرف أكثر من حماس أن من قاموا بهذا الاتفاق هم من قدموا التضحيات العظيمة في أيلول، وبيروت وغيرهما من مواقع النزال التي غابت عنها حركة حماس، بالرغم من كونها في ذلك الوقت كيانا قائما بحد ذاته اسمه جماعة الإخوان المسلمين، الذين كانوا في سباتهم العميق، يغازلون الانظمة ويضربون الوطنيين بسوطها.
إذن، يريدون أن "يتعاملوا مع سلطة الحكم الذاتي على أنها فئة متسلطة وليست لخدمة الشعب والقضية"، هذا عام 1993، أي قبل تشكُّل هذه السلطة الوطنية وظهور خيرها من شرها، متناسين أن مئات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني خرجوا عند قدومها مرحبين بها، وبجيش التحرير الفلسطيني الذي دخل الأرض المحتلة دخول
الأبطال، وعلى رأسه القائد الشهيد ياسر عرفات.
ثم أنهم بعد ذلك يدعون إلى "التدرج في المواجهة ضد السلطة بالتناسب مع ظهور عيوبها" ثم "المضي في المواجهة بشكل يتناسب مع تجاوب الشارع معنا". أي أن أخطاء هذه السلطة ستكون مدعاة لمواجهتها وللتحريض ضدها، وكأنهم لا يعرفون القانون الطبيعي الذي يقول: "من يعملْ يُخطِئ ومن لا يعمل لا يُخطِئ". وما يؤكد استنتاجاتنا التي تقول إنهم ألد أعداء الوحدة الوطنية، أنهم يضيفون أن عليهم "أن يزيدوا الشرخ في الصف الفتحوي"، و أن عليهم الالتزام "بعدم التفرد بالمواجهة وإشراك القوى الأخرى كلما أمكن". والمقصود هنا مواجهة السلطة وحركة فتح طبعاً.
وتدعو الخطة الى "إنشاء مؤسسات ]حمساوية[ جديدة وتعزيز دور المؤسسات القائمة" ليس من أجل عيون الشعب الفلسطيني، لكن من أجل تحقيق الكثير من الأهداف الفئوية الضيقة، مثل "قطع الطريق على تنظيم فتح من امتلاك الساحة الشعبية" و "منافسة مؤسسات الحركة وتهميش دورها" كما يقول البرنامج المقترح بالحرف الواحد.
وما يؤكد أن الورقة كانت للتنفيذ لا للتسلية، فإن إحدى أهم المؤسسات التي يتحدث عنها البرنامج هي "حزب وطني إسلامي يمكنه أن يخوض الانتخابات"، والذي نشأ بالفعل، تحت اسم "حزب الخلاص الإسلامي" و الذي أخذ ترخيصاً من السلطة، وتلقى الكثير من أموالها. وحسبما أثبتت بعض الوثائق، فإن الشهيد ياسر عرفات
كان يصرف له مبلغ خمسينَ ألف دولار شهرياً.
وتصر الخطة على أن هنالك "تواطؤاً من قبل سلطات الحكم الذاتي مع الاحتلال في القبض على المعتقلين". وغني عن القول إن السلطة كانت أحيانا تضطر للقبض على بعض العناصر من كل الفصائل، وكانت تحاكمهم بسرعة حتى لا تقومَ بتسليمهم لقوات الاحتلال حسبما يقتضي الاتفاق. ولم تقم السلطة بتسليم أي منهم، وهذا ما يفسر الكثير من حالات الحصار التي كان يتعرض له القائد الراحل ياسر عرفات عندما كان يرفض أن يسلم أياً منهم للاحتلال، بل كان يستضيفهم في مقره ويحافظ عليهم ويحميهم، وكانت الأجهزة الأمنية في كثير من الأحيان تتصل بهم لتحذرهم من نية الكيان الصهيوني أن يستهدفهم. وكمثال على ذلك قيام العقيد جبريل الرجوب بنقل
الشهيد القائد رائد الكرمي ورفاقه من طولكرم إلى رام الله بسيارته الخاصة متخطياً الكثير من الحواجز العسكرية الاسرائيلية، ومتسترا على هذا المطلوب الكبير الذي اغتالته اسرائيل بعد فترة من فراره من مقر الأمن الوقائي في رام الله.
ويقسم البرنامج التنفيذ إلى مرحلتين أساسيتين هما المرحلة الآولى "من الآن وحتى تموز يوليو 1994" و المرحلة الثانية "من انتخابات مجلس الحكم الذاتي حتى نهاية المرحلة الانتقالية". في الآولى يتم "جمع أكبر قدر من المعلومات عن أشخاص ومؤسسات الحكم الذاتي"، حتى يستفيدوا منها في "تحديد اسلوب المواجهة السياسية والجماهيرية في هذه المرحلة والمرحلة التي تليها"، وعمل "إضرابات اختبارية في غزة وأريحا والضفة لاختبار رد فعل السلطة"، غير أنهم لا ينسون أن يدعوا إلى "تقليص الفعاليات الانتفاضية" ضد الاحتلال وإلى "خلخلة صفوف حركة فتح عن طريق التنسيق مع العناصر المتمردة (المطاردين) فيها وتنظيم عمليات مشتركة معهم".
كما لاحظتم فإن هدف العمليات المشتركة ليس المشاركة في النضال، ولا تعزيز الوحدة الوطنية التي لا يعرفونها، إنما "خلخلة صفوف حركة فتح"! ولا يختلف الحديث عن المرحلة الثانية كثيراً، خاصة فيما يتعلق بالعمل على إضعاف السلطة وحركة فتح تمهيداً لرفع أسهم حركة حماس أمام الشارع الفلسطيني، غير أنني لن
أوردها هنا منعا للإطالة.

ومن الجمل المثيرة للاهتمام في البرنامج حديثهم عن "الحاجة لوضع خطة مدروسة لاختراق المؤسسات (مثل الاتحادات النقابية العمالية والطلابية وغيرها)، و كذلك وضع خطة لاختراق مؤسسات الحكم الذاتي مثل الشرطة والوزارات والهيئات الحكومية والجامعات.. الخ" والتي لا تحتاج إلى الكثير من التعليق، لوضوحها وسطوعها،

ولأننا رأيناها قيد الممارسة والتنفيذ خاصة أثناء الانقلاب البغيض. لمن لا يعرفونَ أن عمليات حماس التفجيرية، كان هدفها بالأساس تقويض سلطة الحكم الذاتي ومنع الاحتلال من تنفيذ الاتفاقات الموقعة مع منظمة التحرير،
يورد البرنامج الفقرة التالية: "تكثيف العمليات الاستشهادية النوعية قبل دخول سلطة الحكم الذاتي وذلك لايقاع أكبر خسائر في العدو ما سيدفعه الى ابتكار أعمال تؤكد استحالة التعايش معه، وعدم احترامه للمواثيق التي يوقعها مع الفلسطينيين، كأن يضطر لملاحقة الشبان المطاردين داخل مناطق الحكم الذاتي، أو أن يلجأ الى إعادة احتلال منطقة أو فرض الطوق العسكري عليها"، وهو ما لا يحتاج إلى شرح أو تأويل. ويورد البرنامج عدة مرات جملاً مثل"إحراج السلطة" و "إظهار أن دخول سلطة الحكم الذاتي وعرفات لم يتم الا عندما قدموا تنازلات"، إلى آخره من الكلمات القذرة والأفكار التعسة والتخرصات اللئيمة التي لا تحتاج مني إلى المزيد من الإطالة هنا.
برأيي أن معظم بنود هذه الخطة قد تم تنفيذها بالفعل، وهو ما أدي بالضرورة إلى إضعاف موقف السلطة وامتناع إسرائيل عن المضي في تنفيذ الاتفاقات، خاصة عندما تقاطعت أهداف الاحتلال الاسرائيلي مع أهداف حركة حماس.
وأختم بالقول، إن على من يدعون أن هنالك تياراً "خيانياً" في حركة فتح لم يعطِ الفرصة لحركة حماس لكي تمارس حقها في الحكم بعد فوزها في الانتخابات، أن يصمتوا إلى الأبد، فهذه الخطة التي تم تنفيذها بنجاح، تؤكد أن حركةَ حماس هي التي بدأت ونجحت في منع الآخرين من تحقيق الانجازات للشعب، حتى لا يؤدي ذلك
إلى سحب البساط الجماهيري من تحت أقدامها، والوحدة الوطنية هي الضحية الآولى لهذه الممارسات الخطيرة.

(5) أمُّ الثورة محظورة في غزة
أرهقتْ وسائلُ الإعلام التابعة لحماس أسماعَنا بالانتقادات الحادة المغرضة التي وجهتها للرئيس محمود عباس، عندما اتهمته أنه يُفاوض الإسرائيليين ويرفض أن يحاورَ أبناءَ شعبه.
وقد بلغت قوة هذه البروباجاندا الإعلامية الكاذبة أن أصبحنا نسمعها من كل الناس، سواءٌ المنتمي منهم لحركة حماس، أو حتى المؤيد منهم للرئيس عباس! فظهرت حركة حماس الانقلابية وكأنها حملٌ وديع حريص على الحوار والوحدة، وظهر الرئيسُ أبومازن وكأنه يُفضل الجلوس مع حكام إسرائيل على الحوار مع أبناء شعبه، وهذه صورة خطيرة جداً لا تخدمُ إلا أعداءَ الوحدة الوطنية. وعندما أطلق الرئيس الفلسطيني مبادرتَه للحوار في خطابه الذي وجهه للشعب الفلسطيني في الرابع من حزيران 2008، انكشف الغطاء عن الحقيقة، واتضح لنا من هو الذي يرفض الحوار عندما لم تُقدِم حركة حماس على أي خطوة من شأنها تعزيز هذا الحوار، أو حتى على الأقل المساعدة في إطلاقه.
وزادَ الطينُ بِلة تلك الرسالة الغريبة التي أرسلها خالد مشعل إلى عمرو موسى، الأمين العام لجامعة الدول العربية، والتى ادعى فيها أن الرئيس وجه الدعوة للحوار فقط لأنه على علم بقرب حدوث عملية عسكرية إسرائيلية في قطاع غزة.
والمثير للسخرية في الأمر أن إمارة غزة الظلامية استطاعت أن تحقق هدنة صارمة مع المحتل، توقف بموجبها المقاومة في مقابل فتح المعابر. والذي حدث هو أنه تم ايقاف المقاومة واختطاف كل الذين يحاولون إطلاق الصواريخ واتهامهم بأقذع التهم، ولم تفتح إسرائيل المعابر إلا بشكل جزئي!
كذب خالد مشعل ولم يكن هنالك أي عملية عسكرية بل كانت هناك هدنة ناجحة جداً، ولم يستطع الحوار أن يجد من يشجعه من حركة حماس، لأنها من الأصل لم تكن تريده ولا يهمها أمره، فالحوار الناجح سيقود إلى الوحدة الوطنية حتماً، والوحدة الوطنية مرفوضة عند أعداء الوحدة الوطنية.
الرئيس عباس في عدة مواقف أظهر أنه لا يخضعُ للفيتوهات الأمريكية مهما كانت، وذلك عندما رفض الانصياع للطلب الأمريكي بعدم زيارة سوريا، ورفض الانصياع لهم بعدم البدء بالحوار عندما أطلق مبادرته الشهيرة، ومع ذلك نجد من يتهمه بعدم الحوار نتيجة لفيتو أمريكي إسرائيلي. حقيقة أن هذه الاتهامات لا مبرر لها إلا أنها وسيلة لإضعاف موقفه وإجباره على الانصياع للرغبات الظلامية الإخوانية التي يحاولون أن يفرضوها عليه قبل إنهاء حالة الانقسام التي جروا الشعب الفلسطيني اليها في حزيران 2007. فإن رفض الانصياع سلطوا عليه الاتهامات المقذعة التي تنال منه ومن وطنيته وشرعيته.
ثم جاءت التفجيرات على شاطئ بحر غزة، التي قُتلَ فيها مجموعة من قادة القسام، متزامنة مع تفجيرات موجهة لمنزل القيادي في حماس مروان أبوراس، وأخرى موجهة ضد بعض مقاهي الإنترنت في القطاع. وكانت شرارة السعار الإخواني القذر، الذي انطلق ضد السكان الآمنين، وأدى إلى اختطاف المئات من أبناء حركة فتح، ومصادرة أسلحة أعضاء كتائب شهداء الأقصى خاصة مجموعة أبي الريش، وأطلقت عشرات الرصاصات على
القيادي الفتحاوي عماد الشيخ خليل عن قرب مسببة له إصاباتٍ خطيرة، وعاهات مستديمة، وتم تعذيب الكثيرين بقسوة منقطعة النظير لمجرد شبهة أن تكون التفجيرات من تدبير حركة فتح.
وصلت الصورة القاتمة للوضع في إمارة غزة الظلامية وسائلَ الإعلام، ومنظمات حقوق الإنسان، وكانت الفضيحة المدوية لأدعياء الدين والإصلاح والتغيير، حتى أن بعض القيادات الحمساوية، مثل يحيى العبادسة، وجهت نقداً لاذعاً للحكومة المقالة على ممارساتها (أو على جرائمها إن تحرينا الدقة!). وأنا أعتقد دون الادعاء بأنني أعلم بنواياهم وما في دواخل صدورهم، إنما بالقياس على التاريخ والأحداث، أن هذا النقدَ سببُه الصورة الإعلامية السيئة التي رافقت هذه الجرائم وليس حرصاً على المواطنين، ولا على الكرسي المتحرك لشقيقة القائد
الفتحوي سمير المشهراوي المقعدة. إن أعداءَ الوحدة الوطنية من أبناء حركة الإخوان المسلمين الذين تربوا على
مواجهة الخصوم الوطنيين أكثر من خصوم وأعداء الأمة، لا يمكن أن تكونَ في قلوبهم رحمة لأبناء وطنهم ما داموا لا يتبعون خطهم السياسي والفكري، ولا يمكن أن يدعوا الفرصة تمرُّ دون ضربهم بقسوة والنيل منهم ومن وطنيتهم. إن حقدهم الدفين والتاريخي على حركة فتح، وصلَ بهم (كما روى لي بعضُ المختطفين الذين تم الإفراج عنهم من باستيلات حماس النازية) إلى إخبارهم أن حركة فتح محظورة في قطاع غزة، وأن كل نشاطاتهم يجب أن تتوقف حالاً تحت طائلة المساءَلة، التي ستؤدي حتما إلى التنكيل بهم وإهانتهم إن لم يستجيبوا، حتى لو كانت هذه النشاطات تتضمن المقاومة مثلما فعلوا مع مجموعات أبي الريش.
ولقد بلغت الوقاحة في حركة حماس حداً خطيراً عندما اطلقت حملة ضد الأجهزة الأمنية الشرعية في إعلامها الكاذب، مدعية أن هذه الأجهزة تلاحق أبناء حركة حماس في الضفة وتعتقلهم، على طريقة المثل العامي الشهير: "ضربني وبكى وسبقني واشتكى".
ونحن هنا لا نقول إن هذه الأجهزة لا تعتقل ابناء حركة حماس، ولكنها قطعاً لا تمارس الجرائم بحق شعبها مثلما تفعل أجهزة الإمارة الظلامية في غزة، وهي على الأقل لم ترفع وتيرة نشاطاتها ضد حمساويي الضفة الغربية في هذه الفترة، أو ربما كان ذلك بشكل طفيف فحسب، إنما جاءَت هذه الحملة وهذه الادعاءات الحمساوية في إعلامها، للتغطية على جرائم الحكومة المقالة وميليشيات القسام في غزة ضد أبناء حركة فتح.
أكاد أجزم أن قيادة حماس هي التي أوعزت لأجهزتها الإعلامية بالقيام بهذه الحملة، بعد أن وقعت في الحرج الشديد جراء ممارساتها القمعية في القطاع.
إن الأعداء التاريخيين للوحدة الوطنية يقومون بهذه الممارسات البغيضة، وهم يعرفون أنها تضرب الوحدة الوطنية ومع ذلك لا يرفُّ لهم جفن ولا يراجعونَ أنفسهم أبداً، أفلا يعقلون؟